الشيخ محمد هادي معرفة

339

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الاستحقاق والاقتضاء . والآية الأُولى ذكرت المانع من النزول ، جوابا للتحدّي المذكور . ومن ثمّ لمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وآله من مكة ، وهاجر المؤمنون ، ارتفع الحاجر ونزل العذاب على المشركين بأيدي المؤمنين ، وعمّهم الخزي والفضيحة والعار . وعليه فالآية محكمة وعامّة وجارية من الأبد : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه وقد رفع أحدهما فدونكم الآخر . فتمسّكوا به - وقرأ الآية - » . « 1 » 80 ( 3 ) - « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » . « 2 » قال ابن حزم : نسختها الآية بعدها : « وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ » . « 3 » قلت : الآية الأُولى تعني الانتهاء عن الكفر والإشراك بقبول الإسلام ، وهذا المعنى غير منسوخ قطعا ، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، ولا يجوز قتال من اعتنق الإسلام وتاب إلى اللّه . فالأمر بالقتال في الآية الثانية إنّما هو في صورة عدم الانتهاء وعدم التوبة . 81 ( 4 ) - « وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها » . « 4 » قال الحسن وقتادة : إنّها منسوخة بآية السيف وآية القتال . « 5 » قال الطبرسي : آيتا التوبة نزلتا في سنة تسع . وقد صالح رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله وفد نجران بعدها . الأمر الذي يدلّ على أنّ آية السلم غير منسوخة بهاتين . « 6 » وعلّق الشعراني على كلام الطبرسي هذا - بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله عاقد وفد نجران على قبول الذّمة ، وليس هذا صلحا . قلت : قد سبق أنّ تشريع القتال اجتاز مراحل ، نسخت كلّ تالية سابقتها ، وفي رسالة النعماني : أنّ التي نسختها هي قوله : « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ » . « 7 »

--> ( 1 ) - مجمع‌البيان ، ج 4 ، ص 539 . ( 2 ) - الأنفال 38 : 8 . ( 3 ) - الأنفال 39 : 8 . راجع : رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 177 . ( 4 ) - الأنفال 61 : 8 . ( 5 ) - التوبة 5 : 9 و 29 . ( 6 ) - مجمع‌البيان ، ج 4 ، ص 555 . ( 7 ) - محمّد 35 : 47 . راجع : البحار ، ج 93 ، ص 7 .